محمد كرد علي

124

خطط الشام

منذ عهد معاوية بن أبي سفيان الذي قدم الخطبة على صلاة الجمعة ، لأن الناس كانوا يكرهون سماع اللعن ، فكانوا إذا أدوا الصلاة خرجوا من المسجد . أراد معاوية من ذلك كما قال ابن أبي الحديد : « تشييد الملك وتأكيد ما فعله الأسلاف ، وأن يقرر في أنفس الناس أن بني هاشم لاحظ لهم في هذا الأمر ، وأن سيدهم الذي به يصولون ، وبفخره يفخرون ، هذا حاله وهذا مقداره ، فيكون من ينتمي إليه ويدلي به عن الأمر أبعد ، وعن الوصول إليه أشحط وأنزح » . على أن الطالبيين كانوا يقنتون عقيب كل صلاة ويلعنون أيضا بني أمية . وكتب عمر بن عبد العزيز إلى نوابه بإبطال السب وكانوا يقولون : لعن اللّه أبا تراب . ولما خطب يوم الجمعة ، أبدل السب في الخطبة بقوله تعالى : « رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ ، وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا ، رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ » . وقيل : بل جعل مكان ذلك قوله تعالى : « إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى ، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ ، يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ » . فاستمر الخطباء على قراءتها إلى هذا اليوم ، وشكر سعيه كل عاقل . وردّ عمر بن عبد العزيز المظالم ، وسار سيرة عمر بن الخطاب جده لأمه ، واستعمل أصلح من قدر عليه ، فسلك عماله طريقته ، واستدعى الجيش الإسلامي من حصار القسطنطينية ساعة ولي الخلافة حقنا لدماء المسلمين ، وكان قد بلغ منهم الجهد ، ولم يغفل مع ذلك عن غزو الروم عند الاقتضاء الشديد . ولو طال أجله لأجلى المسلمين عن الأندلس لأنه رأى مقامهم فيها غير طبيعي لإحاطة الأعداء بهم ، وردّ جيوش المسلمين من الشرق ومنعهم من التوغل فيه قائلا : يكفي ما فتح اللّه على المسلمين من الفتوح . ويرجع الفضل في العهد لعمر بن عبد العزيز إلى سليمان بن عبد الملك الذي عرف بحكمته أن ابن عبد العزيز أعدل رجل وأعقل رجل في بني أمية ، فعهد إليه بالخلافة فأحسن للأمة وأي إحسان ، وحنق عليه بعض المتلاعبين من أهل بيته فسقوه السم فيما قيل فهلك سنة 101 ، وخلافته